الجمعة، 23 مارس، 2012

تأملات في الفكر ومنطلقات المفكر


بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

الحمد لله منزل القرآن وملهم البيان، والصلاة والسلام على خير الأنام، ومصباح الظلام، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه الكرام أما بعد...
فيقولون إن قوة العقل في الإنسان كقوة البصر في العين، والذوق في اللسان، وبه يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان، ومن أحسن ما قيل في العقل ما قاله الأصمعي: (العقل: الإمساك عن القبيح، وقصر النفس وحبسها على الحسن).
ولست بحاجة إلى بيان أهمية العقل ومنزلته في الإسلام، فيكفي العقل أن الإسلام اعتمده مناطاً في التكليف، فالذي لا يعقل تسقط عنه شرائع الإسلام.

ومن تأمل القرآن الكريم وجده يخاطب العقل بكثرة،ومن ذلك ما ذكره الله – عز وجل – في سورة المؤمنون حيث قال مخاطباً العقول: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (84) فيأتي بعدها هذا الجواب المعقوب بحثهم على التذكر والتفكر: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}(85) وأيضاَ {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} (87).
ثم تنساب الآيات بعدها مخاطبة العقل عارضة عليه الحقائق الربانية التي تدركها العقول ولا يكون منهم إلا أن يجيبوا ببداهة العقول {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ}.

مثل تلك الآيات أيضاً ما ورد في سورة النمل من بداية آية (59 ) حيث يخاطب الله العقول مذكراً لها بآياته وبدائع صنعه وفي نهاية كل آية يأتي هذا الاستفهام {أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ}.
هذه الآيات ومثلها الكثير في كتاب الله – عز وجل – تخاطب عقل الإنسان وتحثه على التفكير التام والعميق فيما هو فيها من توجهات واهتمامات... إلخ
فهذه الآيات ما نزلت بهذا الأسلوب من فراغ، كلا، فلله الحكمة البالغة.. وهكذا القرآن يخاطب العقل والفكر والروح والعواطف، فيؤثر فيها أبلغ التأثير وأعمقه، وكذلك السنة النبوية على صاحبها أفضل صلاة وأتم سلام.

وتأملوا معي: إبراهيم – عليه السلام – وهو يخاطب عقول قومه عندما حطم أصنامهم كما في سورة الأنبياء.
وكذلك عندما يخاطب الذي حاجه في ربه كما في سورة البقرة، وكذلك ما ورد في سورة الأنعام عندما رأى الكوكب. يخاطبهم ويحاجهم ويستثير أفكارهم ليقرر فيهم عقيدة التوحيد لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

وتأملوا كذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – عندما عاتب خالد بن الوليد – رضي الله عنه – عن تأخره في الإسلام إذ أن مثله رجل داهية مفكر عاقل لا ينبغي لمثله أن يغفل عن هذا الدين.

عندما دخل الرسول- صلى الله عليه وسلم – مكة في عمرة القضاء فسأل الوليد عن أخيه خالد، فقال: (أين خالد؟)... فقال الوليد: (يأتي به الله ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم - (ما مثله يجهل الإسلام، ولو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين كان خيرا له، ولقدمناه على غيره) وضد هذا الموقف ما ورد في قصة الطفيل بن عمرو الدوسي، رجل عرف أنه لديه فكر وعقل فلم يكن أسيراً لأفكار قريش وشبهاتهم التي حشوه بها، بل قرر أن يخوض بنفسه غمار التجربة فلديه عقل وتفكير مستقل عن قريش، وفعلاً هداه الله إلى الإسلام.

وتأملوا كذلك ما قَالَه اَلنَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم ) لِحُصَيْنٍ ((كَمْ إِلَهًا تَعْبُدُ؟ قَالَ سَبْعَةً، سِتَّةً فِي اَلْأَرْضِ،وَوَاحِدًا فِي اَلسَّمَاءِ، قَالَ مَنْ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟ قَالَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمَاءِ،قَالَ فَاتْرُكْ اَلسِّتَّةَ،وَاعْبُدْ اَلَّذِي فِي اَلسَّمَاءِ، وَأَنَا أُعَلِّمُكَ دَعْوَتَيْنِ)) فَأَسْلَمَ، وَعَلَّمَهُ اَلنَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) أَنْ يَقُولَ ((اَللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي وَقِنِي شَرَّ نَفْسِي)).

بعد هذا العرض الموجز عن مكانة العقل وبعض النصوص الشرعية التي وردت فيه وبعض المواقف التي خوطب فيها العقل، قد يسأل سائل إلى ماذا تريد أن تصل؟؟؟ وما هي النتائج التي ستذكرها بعد هذه المقدمة؟؟؟
أقول ومن الله أستمد القبول، ما عرضته في المقدمة ماهو إلا مدخل لقضايا مهمة حول مسألة الفكر والتفكير الذي هو نابع من العقل.

وسأجعل هذه النقاط على طريقة تأملات مستنبطة من النصوص التي ذكرتها في مقدمة الموضوع، فأقول:

أولاً/ إن أول ما ينبغي أن يشغل المرء فيه فكره وعقله هو الغاية من وجوده في الأرض والتي هي عبادة الله - عز وجل – واتباع شرعه، فيفكر في أمره وأنه لم يخلق عبثاً ولم يترك سدى ويتأمل في آيات الله عز وجل وبدائع صنعه، ولست بهذا أعني أن ذلك أول واجب على المكلف كما يقرر أهل الكلام من المعتزلة ومن نحى نحوهم، بل أول واجب هو الإيمان بالله – عز وجل – وإنما أتكلم فقط عن ضرورة التفكر في هذا الجانب وأهميته.

ثانياً/
إن أفكار المرء المسلم وتطلعاته لابد أن تنطلق من توحيد الله – عز وجل – ونشر دينه في الآفاق وهكذا، إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – في دعوته، انطلق بأسلوب فكري مقرراً العقيدة الإسلامية، ومفنداً لشبهات القوم، وراداَ عليها وداحضاً لها، وهكذا لابد أن يكون (مفكرو) زماننا إن صح هذا اللفظ، لا بد أن ينطلقوا من هذا المبدأ في توجهاتهم وأفكارهم، فلابد أن تخدم قضاياهم وأطروحاتهم وأفكارهم هذا الدين ودحض كل ما يعرض له من شبهات وأهواء.

ثالثاً/
إن الإنسان الذي رزقه الله عقلاً وفكراً ثاقباً لا يحسن به بأي حال من الأحوال، أن يبقى بعيداً عن واقع أمته وعن واقع الدعوة إلى الإسلام وما يعرض له من شبهات وصراعات وتدافع بين أهل الحق وأهل الباطل، بل لا يحسن به ألا يكون له دور واضح ومؤثر في هذا الواقع الذي يعيش فيه.
إذا عرفت هذا فتأمل معي حال بعض أهل زماننا – وما أكثرهم – من بعد عن واقع الإسلام وما يتعرض له، وكأنهم في كوكب آخر لا يحيطون ولا يدركون بل لا يفقهون واقع بيوتهم فضلاً عن واقع أمتهم، بل ربما لو سألته: ماذا نعني بفقه الواقع؟؟ ما معالمه؟؟ ما ضوابطه؟؟ ما أهميته؟؟ ربما لن يجيبك.

رابعاً/
إن البشر ليسوا معصومين من الخطأ والنسيان والزلل، فهذا أمر طبيعي لا مناص منه، وما دام البشر بهذه الصورة، فأفكارهم كذلك من باب أولى، فأفكارهم التي لا تستند إلى دليل – شرعي أو عقلي ثبتَ بالتجربة من النظريات العلمية التي ثبتت – إنما هي أفكار بشرية من اسمها قابلة للأخذ والرد، قابلة للمدح والنقد، بل قابلة للعمل بها وتبنيها إذا ثبتت فاعليتها، ولتركها ونبذها والتحذير منها إذا ثبت ضررها وضلالها، والأمر كما قيل: (خذ ما صفى ودع ما كدر )، وقد فهم هذا الأمر جيداً الطفيل بن عمرو الدوسي – رضي الله عنه – عندما فكر في أمر قريش وما بثوه من أفكار خاطئة عن الإسلام وعن النبي – صلى الله عليه وسلم – فتركه جانباً وذهب إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وعندما أخذ الفكرة الصحيحة عن هذا الدين كانت النتيجة أن هداه الله وهدى معه قومه.

بقي أن أقول: ليس كل الناس سيتصرفون كالطفيل – رضي الله عنه – بل لابد من عمل فاعل للعلماء والدعاة وأهل الفكر لبيان صورة الإسلام الصحيحة ودرء الشبهات المثارة حوله بكل وسيلة ممكنة من صحافة وإعلام وتعليم... إلخ. حتى تنتشر صورة الإسلام الناصعة الصحيحة ويندحض الشر وأهله.

خامساً/
من الصعب أن نحصر الفكر في مجال معين، أو أن نحدد له مساراً واحداً..! لماذا؟
لأنه فكر بشري، والبشر يختلفون ويتمايزون وتتفاوت اهتماماتهم وفقاً لتفاوت عقولهم، ولهذا فمن الصعب تحديد الفكر البشري الغير السوي، وإلا فالفكر السوي المستقيم محدد مؤصل فهو فكر ينطلق من مراعاة الكتاب والسنة ويخضع العقل لهما فهما حاكمان عليه وهو خاضع لهما فلا تعارض ولا مصادمة بين الشرع والعقل.

وتأمل معي: ما خطه يراع الإمام أبو القاسم الأصفهاني – رحمه الله – في كتابه القيم (الحجة في بيان المحجة)، وأنقله لك بطولة:
(مما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق: أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وأزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطراً من الأقطار؛ وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، وفعلهم واحد، لا ترى بينهم اختلافاً ولا تفرقاً في شيء ما وإن قلْ. بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء من قلبٍ واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟!)
ثم قال رحمه الله عن أهل الضلال: (وأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع رأيتهم متفرقين مختلفين أو شيعاً وأحزاباً لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة...) أ.هـ (الحجة في بيان المجة لأبي القاسم الأصفهاني 2/224-228).

سادساً/
على الإنسان ألا يغتر بفكره، ولا يظن أن ما وصل إليه هو الكمال ولا شيء بعد ذلك، فربما تكون العجوز في بيتها أفضل فكراً وأصوب مما أدى إليه فكرك، ومن تأمل حل أهل الكلام وجد ذلك فرغم ما شغلوا الناس به من أفكارهم وأهوائهم إلا أن خاتمة حياة بعضهم كانت التبرؤ من تلك الأفكار، ومن ذلك: ما ذكره الجويني إمام الحرمين: (لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً..)

وقال بعضهم:

لعمري لقد طفت المعاهد كلها *** وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر *** على ذقن أو قارعا سن نادم

وقال آخر:

نهاية إقدام العقول عقـــال *** وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا *** وغاية دنيانا أذى ووبــال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا *** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

فياليت من اغتر بعقله فأراد تطويع النصوص له وقدم أفكاره على الدليل فجعلها حاكمة عليه وهو خاضع لها إن وافقها ومجنب إن خالفها، ياليتهم يعون هذا الكلام..

وما أحسن ما قاله الإمام الشاطبي رحمه الله في (الاعتصام 2/322): (فالإنسان وإن زعم في الأمر أنه أدركه، وقتله علمه، لايأتي عليه الزمان، إلا وقد عقل فيه مالم يكن عقل، وأدرك من علمه مالم يكن أدرك قبل ذلك... ).

وبعد هذا التطواف وهذه التأملات بقي أن أقول إنها أفكار وتأملات سطرتها، فإن أصبت فيها فلله الحمد ومنه المنة والفضل، وإن أخطأت فما أحوجني لمقوم مبصر لي وله مني دعوة منجزه بأن يجزيه الله خير الجزاء، والله اعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

محمد بن مشعل العتيبي
@mohamadmeshal

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق